وهبة الزحيلي
38
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل قوله : « وهي ترغو » والرغاء إنما هو للإبل ؛ وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب ، فانفتح له حجر ، فدخل في جوفه ، ثم انطبق عليه ، فهو فيه حتى يخرج بإذن اللّه عز وجل « 1 » . ثم ذكر اللّه تعالى بعض الأمور الواقعة بعد قيام القيامة وهو حشر زمرة وجماعة من كل أمة ، ممن يكذب بالقرآن وبالأدلة الدالة على الحق ، فهم يوزعون أي يدفعون ويساقون إلى موضع الحساب ، وقال قتادة : أي يردّ أولهم على آخرهم ، حتى إذا حضروا الموقف قال اللّه : أكذبتم بآياتي التي أنزلتها على رسلي ، وبالآيات التي أقمتها دليلا على توحيدي ، ولم تعلموا بحقيقتها ، وإنما أعرضتم عنها مكذبين جاهلين غير مستدلين ؟ ثم يقول لهم تقريعا وتوبيخا : ما ذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا ما فيها . ولكن وجب العذاب عليهم بظلمهم أي بشركهم ، فهم لا ينطقون ، أي ليس لهم عذر ولا حجة . ثم أقام اللّه تعالى دليلا على البعث والتوحيد والنبوة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر ، وهو خلق الليل للنوم والاستقرار ، وخلق النهار المنير المشرق الذي يبصر فيه الناس الأشياء للحركة ونشاط الحياة وسعي الرزق ، إن في ذلك لدلالات على قدرة اللّه وتوحيده وإمكانه الحشر لقوم يؤمنون باللّه . أما وجه دلالته على التوحيد فهو أن التقليب من النور إلى الظلمة ومن الظلمة إلى النور بدقة متناهية لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية . وأما وجه دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت قدرة اللّه تعالى على هذا التقليب فهو قادر على القلب من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى الحياة ، وأما وجه دلالته على النبوة فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار لمنافع الناس ، وفي بعثة الأنبياء والرسل إلى الناس منافع عظيمة ، فما المانع من بعثتهم إلى الناس لتحصيل تلك المنافع ؟
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 13 / 235 .